محمد أبو زهرة

22

زهرة التفاسير

الخامسة من التجهيزية ، ثم رؤى أن يقسم بيني وبين أحد زملائى الكرام ، رحمه الله وطيب ثراه ، ومكثت أدرّس التفسير بالتجهيزية سنتين ، وكان أحب إلىّ من أي عمل سواه ، انقطعت بعد ذلك عن هذا الدرس الحبيب بمقتضى سنّة العمل في الحياة العلمية ، وشغلت بعلوم العربية وقتا غير طويل ، نحو ثلاث سنين ، ثم شغلت بالفقه في أطول مدة قضيتها . ولكني كنت على شوق إلى القرآن ، وكانت مجلة « لواء الإسلام » تنشر في كل عدد منها تفسيرا للقرآن ، وكان يتولاه الرجل المؤمن العارف بالله الشيخ الخضر حسين ، وواصل تفسيره حتى وصل إلى قوله تعالى الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ . . . ( 194 ) [ البقرة ] ووقف عند هذه الآية ، لأسباب نفسية ، لم تكن من صاحب المجلة الرجل الطيب ، فاعتذر ، وطلب إلىّ أن أتمم ما بدأت ، وأيده صاحب المجلة فيما طلب ، فتوليت كتابة التفسير من هذه الآية راغبا دائبا ، فعدت إلى التفسير كما بدأت في حياتي العلمية ، واستمررت في هذا العمل المحبوب ، إلى أن منعت من التفسير ، ومن غيره بأمر طاغوتىّ بمن كان يحكم مصر إبان ذلك ، وكنت قد وصلت إلى قوله تعالى : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 ) [ الأنعام ] . ولما تكشّفت الغمة ، وزال الحكم الطاغوتى ، وزالت آثاره التي بقيت بعده شهورا ، وحملت القلم لأعود إلى أداء الواجب ، تعذر علىّ أن أقوم بواجبى مع الكرامة ، وكان لي ما كان للمرحوم الخضر رضي الله عنه ، وقد ألح علىّ الكثيرون من أهل العلم وطلابه أن أتمم ما بدأت في « لواء الإسلام » ، وتكرر الطلب ، فوجدت أن من الواجب علىّ أن أقوم بكتابة التفسير مستعينا الله ، متوكلا عليه ، ضارعا إليه أن يمن بتوفيقه ، فلولا توفيقه ما اهتدينا إلى عمل ، وما أتممنا عملا بدأناه . فابتدأت بكتابة الجزء الذي كتبه الإمام الخضر ، ليكون التفسير كله نسقا واحدا ، وعلى منهاج واحد ، وها نحن أولاء نسير في الطريق ضارعين إليه سبحانه وتعالى أن نصل إلى الحق فيما نكتب .